هكذا تتم عمليّة تجنيد الجواسيس عبر "لينكد إن"

يُعدّ "لينكد إن" من أقدم مواقع التواصل الاجتماعي التي تُستخدم اليوم، إذ أُنشئ عام 2002، لكنّه ليس من الأكثر استخدامًا، بالرغم من أنّه استقطب حتى منتصف عام 2017 أكثر من 500 مليون مستخدم نشط. لكن، بينما يوفّر الموقع تواصلًا بين المُشغّلين والموظّفين المحتملين، تستغلّه وكالات الاستخبارات كي تتصيّد جواسيس جددًا.

فبحسب ورقة تحليلية نشرها موقع "ستراتفور"، تستخدم جميع وكالات الاستخبارات طرقًا متشابهة لتجنيد الجواسيس عبر موقع التواصل المهني "لينكد إن"، وتتكون عملية التوظيف من ثلاث مراحل أساسية: الاكتشاف، التطوير، والتوظيف.

وفي مرحلة الاكتشاف، يقوم ضباط المخابرات بإدراج الأشخاص الذين لديهم إمكانية الوصول إلى المعلومات المطلوبة وترتيبهم وفقًا لفرص استخراجها. يمكن لمسؤولي المخابرات استخدام "لينكد إن"، للحصول على قائمة الموظفين في شركة أو وكالة معينة لها ألقاب عمل محددة في غضون ثوانٍ.

وفي العديد من الحالات، يسرد الموظفون المشاريع أو التقنيات المحددة التي يعملون عليها، حتى إن بعضهم يقدم مستويات مساعدة في إزالة الأمان.

وعلى الرغم من أن أدوات وسائل التواصل الاجتماعي ليست وسيلة مضمونة، لضباط المخابرات لإنشاء قائمة شاملة لجميع من لديهم إمكانية الوصول إلى برنامج أو تقنية، لكن يمكنهم بسهولة بدء هذه العملية. بالبحث عن زملاء العمل للأشخاص المحددين في البحث الأولي، قد يتمكن ضباط المخابرات من إضافة أشخاص لم يكونوا صريحين في ملفاتهم الشخصية على "لينكد إن" إلى قائمة الأهداف المحتملة.

وبمجرد قيام ضابط المخابرات بتجميع قائمة بالأهداف المحتملة، ستكون الخطوة التالية هي تحديد أفضل احتمالات التوظيف، وما هي الطريقة التي ستعمل بشكل أفضل للفوز بها.

هنا أيضًا، يمكن أن يكون "لينكد إن" مفيدًا. يشارك أعضاؤه عادةً معلومات كافية لتقديم أدلة حول ماهية الوظيفة. على سبيل المثال، أولئك الأشخاص الجذابون قد يكونون جاهزين لمقاربة تنطوي على الإغواء.

وبطريقة مماثلة، يمكن أن يكون أولئك الذين يشتكون من كونهم عاطلين عن العمل أو في وظيفة متدنية، يمكن أن يكونوا منفتحين على الإغراءات المالية، وتلك التي تبدو غير سعيدة في العمل يمكن أن تكون مفتوحة للتجنيد الخبيث، وأولئك الذين يضعون منشورات تستجدي لفت الانتباه يمكن أن يستجيبوا بشكل جيد لبعض تضخيم الأنا.

هذه المعلومات تسهل الوصول وإقامة اتصال مع الأهداف المحتملة. إجراء هذه العمليات إلكترونيًا يسمح حتى لموظف واحد بتطوير اتصالات مع أهداف متعددة، قبل التركيز بشكل أكثر على القليل الذين يبدون أكثر تقبلًا، ومن ثم زيادة احتمالات النجاح.

ويمكن أن تتطور مرحلة التطوير في عملية التوظيف بشكل مختلف، اعتمادًا على الهدف النهائي. وفي كل الحالات الهدف النهائي لمرحلة التطوير هو إقامة علاقة، وبناء درجة من الثقة حتى يمكن الوصول إلى الهدف الاستخباراتي.

في ما يتعلق بـ"لينكد إن"، يشير التقرير إلى العديد من الحالات التي تقوم فيها وكالات الاستخبارات بتطوير علاقة مع هدف من خلال الظهور كمركز أبحاث أو جامعة. باستخدام هذا المظهر، تعرض الوكالة دفع الهدف لكتابة ورقة حول موضوع غير ضارّ إلى حد ما، ثم تدعوه إلى رحلة مدفوعة التكاليف إلى الصين مثلًا لتقديمها، بمجرد وصوله إلى الصين، سيتم تقييم الأهداف أكثر، وتتطور العلاقة بشكل أكبر بهدف إنشاء درجة توظيف نهائية.

وفي بعض الحالات، تستخدم وكالة الاستخبارات وثائق (مثل مقاطع الفيديو) للمعاملات السابقة بين ضابط الاستخبارات والهدف كشكل من أشكال الإكراه "إذا لزم الأمر". وبمجرد تعيين الهدف رسميًا، يمكن الضغط عليه لتوفير معلومات أكثر حساسية.

هكذا تجند "إسرائيل" جواسيسها في غزة

في إطار محاولاتها المتواصلة لجمع معلومات عن أنشطة المقاومة، لا تتوقف "أجهزة المخابرات الإسرائيليّة" عن ابتكار طرق مختلفة واستغلال الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة، لإسقاطهم في مستنقع التخابر معها.

وفي المقابل، تعمل الأجهزة الأمنية والأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية في القطاع على إفشال كافة محاولات "أجهزة المخابرات الإسرائيلية"، عبر ملاحقة العملاء والجواسيس وإطلاق حملات "للتوبة" في فترات متقاربة.

مصدر أمني ، ليقدم لمحة عن الصراع الأمني بين المقاومة و"إسرائيل"، والوسائل الجديدة التي تستخدمها "إسرائيل" لتجنيد الجواسيس.

في هذا الصدد، قال مصدر أمني رفيع في قطاع غزة إن أجهزة المخابرات الإسرائيلية" تستخدم وسائل متنوعة لإسقاط الفلسطينيين في قطاع غزة، وهي وسائل معلومة لدى أجهزة الأمن الفلسطينية التي تعمل على محاربتها بكل إمكانيتها، لحماية المقاومة والجبهة الداخلية الفلسطينية.

ويضيف المصدر الأمني أن أحدث الطرق التي تتبعها "إسرائيل" في إسقاط العملاء ترتبط باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، مثل صفحة المنسق التي تعمل على تنسيق أعمال حكومة الاحتلال بالأراضي الفلسطينية، إضافة إلى صفحات ضباط مخابرات معلن عنها بشكل رسمي مثل "الكابتن مفيد" و"الكابتن قيس" وغيرها.

وأوضح أن بعض المواطنين يتواصلون مع هذه الصفحات عبر الرسائل الخاصة لطلب تصاريح عمل أو للسماح لهم بالخروج عبر المعابر التي تسيطر عليها سلطات الاحتلال أو لتلقي العلاج، وغيرها من القضايا الإنسانية. وشدد على أن "جهاز الأمن العام الإسرائيلي" (الشاباك) هو من يدير هذه الصفحات، ويستغل الاحتياجات الإنسانية للفلسطينيين من أجل دفعهم للتخابر معه.

ويقول إن المسؤولين عن تلك الصفحات يطلبون في البداية معلومات بسيطة من الشخص الذي يتواصل معهم مقابل تلبية حاجته، منبهًا إلى أن الشخص المستهدف قد لا يدرك أنه يتواصل مع ضابط "شاباك"، "ويعتقد أن المعلومات المطلوبة لا تشكل خطرًا على أحد، فيقدمها في سبيل تلبية حاجته الإنسانية الملحة".

بعد ذلك تصبح المعلومات التي قدمها هذا الشخص وسيلة ابتزاز، فيهدده "ضباط الشاباك" بفضح تعاونه معهم إذا لم يتواصل عمله لصالحهم، وفي هذه الحالة -بحسب المصدر- يخشى المواطن أن يتم افتضاح أمره ويستجيب للتهديدات "الإسرائيلية" ويسقط في مستنقع التخابر.

ولا تقتصر طرق "جهاز الشاباك" على مواقع التواصل، فخلال الأشهر الأخيرة بدأ ينتحل صفة جمعيات خيرية ويتواصل مع الأسر الفقيرة بزعم تقديم مساعدات إنسانية، ومن خلال ذلك يعرض ضباط المخابرات تقديم المساعدة للشخص الذي يتواصلون معه. ويبين المصدر الأمني أن المساعدة عندما تصل للشخص المستهدف يتواصلون معه مجددًا، ويطلبون منه معلومات بسيطة مقابل تلقي مساعدة جديدة.

ويعتقد المستهدَف أنه يتواصل مع جمعية خيرية ويقدم لها المعلومات المطلوبة، لكن في النهاية يكتشف أنه كان يتواصل مع ضباط مخابرات، وعند ذلك يتم تهديده بكشف أمره إذا رفض التعاون معهم.

ومن بين الطرق "الإسرائيلية" أيضًا لإسقاط عملاء، التواصل بشكل مباشر مع بعض العناصر التي تحمل فكرًا متطرفًا، إذ يعتبرون صيدًا سهلًا لأجهزة الاحتلال نتيجة مواقفهم المعادية للمقاومة.

ويشير المصدر الأمني إلى أن سلطات الاحتلال تواجه صعوبات كبيرة في تجنيد عملاء جدد بسبب الملاحقة الأمنية المكثفة لهم.

وفي إطار الحملات الرسمية والشعبية لمحاربة التخابر مع الاحتلال ونشر الوعي الأمني في صفوف الفلسطينيين بالقطاع، أطلق نشطاء وخبراء فلسطينيون في مجال الأمن الإلكتروني حملة "خليك صاحي"، التي تهدف لنشر الوعي الأمني بين أبناء المجتمع الفلسطيني.

ويقول "محمد أبو هربيد"، أحد القائمين على الحملة إن الحملة ستعمل على تقديم معلومات توعوية ونصائح أمنية مكثفة تساعد الفلسطيني على مواجهة محاولات "إسرائيل" لتجنيد عملاء لها، وستنظم زيارات للنخب والكتاب والأدباء ليساهموا في نشر الوعي الأمني والمجتمعي.

ويشير إلى أن نشاط حملة "خليك صاحي" سيكون عبر الإذاعات المحلية وبشكل رئيسي على وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت مصدرًا رئيسيًا للمعلومات بالنسبة للفلسطينيين.

ويعتقد "أبو هربيد" أن "أجهزة المخابرات الإسرائيلية" تواجه صعوبة كبيرة في تجنيد عملاء جدد لها في قطاع غزة، بسبب الملاحقة الأمنية للعملاء ومحاربة هذه الظاهرة من قبل الجهات الرسمية وغير الرسمية الفلسطينية.

صراع أدمغة استخبارية بين حماس و"إسرائيل" لتجنيد العملاء

تدور في أروقة الحرب غير المباشرة بين "إسرائيل"، والمقاومة الفلسطينيّة صراع أدمغة استخباري، إذ تستخدم "المخابرات الإسرائيلية" وسائل محدثة ومطوّرة بين حين وآخر لاختراق المجتمع الفلسطيني، منها أساليب ذكية جديدة من نوعها، دون أن تترك خلفها أصابع اتهام، أو أدلة لتتبع الجهة "الإسرائيلية" المشغلة، حتى أن بعض العملاء لا يعلمون أنهم يعملون لصالح "إسرائيل". كما تستغل "المخابرات الإسرائيلية" أي ثغرة لجمع المعلومات الدقيقة والمحكمة عن المنظمات الفلسطينية ونشطائها، لتعقبهم واغتيالهم.

وعمدت "إسرائيل" مؤخرًا للتجنيد عبر طُرق عدة يصعب كشفها، فبعض الذين تعمل "المخابرات الإسرائيلية" على تجنيدهم نشطاء فاعلين على شبكات التواصل الاجتماعي، أو المواقع البحثية، والعاملين في حقل التجارة، بجانب العمل في بعض المجالات التمويهية التي تغطي على عملهم الحقيقي كالانخراط في بعض الوسائل الإعلامية، والمواقع الإخبارية، والمعاهد البحثية، والمؤسسات الإنسانية، والمنظمات الدولية، بحيث يتم التشغيل والتجنيد من خلال طرف ثالث.

كما تقوم "المخابرات الإسرائيلية" باعتماد أساليب جديدة بعكس أساليب التجنيد المتبعة منذ سنوات طويلة يصعب كشفها من قبل حركة المقاومة الإسلامية حماس، وذلك عن طريق وكيل ثالث، وهذه الطريقة متبعة في العديد من أجهزة المخابرات العالمية، ويصعب كشفها إن تم إدارتها بطريقة ذكية ومحكمة". وتُشير التقديرات بأنّ "المخابرات الإسرائيلية" زادت من استخدامها عقب الاعتقالات التي شنتها حماس في الشهور الأخيرة على عشرات العملاء والجواسيس، للكشف عن شبكات المتعاونين مع "إسرائيل"، لا سيما أولئك الذين قدموا مساعدات لوجستية للقوة "الإسرائيلية" الخاصة في خانيونس".

وفي تعليقه على صراع تجنيد العملاء بين "المخابرات الإسرائيلية" وحركة حماس، أوضح الضابط السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية" "أمان"، يوني بن مناحيم" أنّ "المخابرات الإسرائيلية" لا يمكنها الاستغناء عن الكادر البشري الخاص بجمع المعلومات الميدانية، المسمى في علم "المخابرات الإسرائيلية" "اليومينت"، حتى في ذروة التقدم التقني والتكنولوجي، وهي الطريقة النموذجية لبناء صورة استخبارية محدثة عما وصلت إليه المنظمات الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة.

مقابل عمل "المخابرات الإسرائيلية" المتكرّرة والدائمة لاختراق المجتمع الفلسطيني، وتجنيد العملاء لجمع المعلومات الاستخباريّة، تخوض حركة حماس حرب أدمغة استخبارية مع "المخابرات الإسرائيلية"، وهو ما دفع بحركة حماس لمحاربة ظاهرة المتعاونين مع "المخابرات الإسرائيلية"، خاصةً بعد أن ظهرت مؤشرات عديدة أنّ لدى "إسرائيل" مصادر معلومات مهمة داخل قطاع غزة، ما يجعل من هذه الحرب السرية تصل ذروتها، رغم اكتشاف حماس للقوة "الإسرائيلية" الخاصة بمدينة خانيونس في نوفمبر 2018، التي كانت تنفذ مهام استخبارية خاصة وحساسة".

وأمام زيادة خطر العملاء العاملين لحساب "المخابرات الإسرائيلية"، فكثير من المعلومات الميدانية تأتي عن طريق متعاونين من داخل غزة، وهم ينقلون هذه المعلومات الخطيرة لمشغليهم من الضباط "الإسرائيليين" في جهاز الأمن العام "الشاباك". تعمل حماس على كشف شبكات العدو، وعلى تطوير منظومات للتصدي لاختراقات "المخابرات الإسرائيلية"، إن كان على الصعيد التقني أو عبر المجتمع المحلي وتوعيته لعدم الوقوع في فخ العمالة مع "إسرائيل".

وبذات السياق، حذّرت حماس من ظاهرة التجسس والعمالة والارتباط بـ"المخابرات الإسرائيلية"، وجندت وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية لتوجيه نداءات للعملاء للتوبة، والعودة إلى حضن الشعب الفلسطيني.

هكذا توظف "إسرائيل" "حرب المعلومات" لتحقيق أهدافها

أوضحت ورقة بحثية "إسرائيلية"، أنّ "الجيش الإسرائيلي" يوظّف بشكل مكثف "حرب المعلومات" ضد "الأعداء"، بهدف تقليص الحاجة لاستخدام القوة العسكرية "الخشنة".

وذكرت الورقة الصادرة عن "مركز بيغن- السادات للدراسات الاستراتيجية"، التابع لجامعة "بار إيلان"، ثاني أكبر الجامعات "الإسرائيلية"، أنّ أحد أهم أنماط "حرب المعلومات" التي يعكف "الجيش الإسرائيلي" على استخدامها، في الأعوام الماضية، تقوم على تسريب معلومات استخبارية حول الجهود التي يعكف عليها "العدو" لمراكمة القوة العسكرية، مما يدفع الأخير للتراجع عن هذه الجهود، كونها باتت مكشوفة لـ"إسرائيل".

وبحسب الورقة التي أعدّها الباحث "ياكوف لبن"، فإنّ تعمّد "المخابرات الإسرائيلية" الكشف عن المعلومات المتعلّقة بمخططات "العدو" في مجال بناء القوة العسكرية، وتسريبها لوسائل الإعلام، يرمي لإقناع صناع القرار لدى الأخير، بأنّ مخططاته باتت مكشوفة، وأنّه في حال واصل هذا النمط من السلوك، فإنّه يخاطر بتلقي ضربة عسكرية من "إسرائيل".

ولفتت الورقة، إلى أنّ "الجيش الإسرائيلي" يوظف "حرب المعلومات" على نطاق واسع ضد كل من: إيران، "حزب الله" اللبناني، وحركة حماس الفلسطينية، مشيرةً إلى أنّ هذا النمط من الحروب يقلّص الحاجة إلى المخاطرة بشن حملات عسكرية ضد ما وصفته بـ"الأعداء".

ووفق الورقة، فإنّ حرب المعلومات تهدف أيضًا إلى محاولة تجنيد المجتمع الدولي، والقوى الإقليمية، للتدخل والضغط على "العدو"، "لعدم الإقدام على خطوات تفضي إلى المس باستقرار المنطقة من خلال التسبب في انفجار صراعات مسلحة".

وأشارت إلى أنّ "حرب المعلومات"، باتت تعد أحد مركبات إستراتيجية "المواجهة بين الحروب"، التي تعكف "إسرائيل" على اعتمادها في الفترات التي تفصل بين الحروب التي تشنّها على "أعدائها". وشدّد معد الورقة على أنّ "حرب المعلومات"، "تسهم في تعزيز قوة الردع "الإسرائيلي" بشكل كبير وتقلّص مخاطر انفجار مواجهات مسلحة على الجبهتين الشمالية والجنوبية".

وبحسب الورقة، فإنّ "حرب المعلومات" تصل إلى أقصى تأثيرها عندما تكون مكملة لعمليات عسكرية وغارات جوية، إذ إنّ هذه الغارات تعزّز رسائل الردع التي تسعى "حرب المعلومات" لإيصالها إلى "العدو".

وذكرت الورقة أنّه يمكن قياس تأثيرات "حرب المعلومات" بعد مضي وقت طويل من خلال معرفة ما إذا كانت قد أسهمت في تقليص حجم المخاطر التي تتعرّض لها "إسرائيل"، أو بقاء تأثيرها محدودًا. ولفتت إلى أنّ المؤسسة الأمنية عمدت، خلال الأسابيع والأشهر الماضية، إلى استخدام "حرب المعلومات" بكثافة.

وأشارت إلى أنّ أوضح الأمثلة التي تعكس استخدام "إسرائيل" "حرب المعلومات"، يتمثّل في إقدام "الجيش الإسرائيلي"، في مطلع إبريل/نيسان الحالي، على تسريب معلومات إلى وسائل إعلام عبرية حول نية حركة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية، شنّ هجمات صاروخية على العمق "الإسرائيلي"، خلال الساعات والأيام المقبلة، انطلاقًا من قطاع غزة. ولفتت إلى أنّ موقع "يديعوت أحرنوت" الذي انفرد أولًا بنشر التسريب العسكري "الإسرائيلي"، عمد إلى نشر تحليل حول الدوافع التي تدفع "الجهاد الإسلامي" لشنّ الهجوم.

وبحسب الورقة، فإنّ الهدف من النشر، كان ممارسة الضغط على كل من حركة حماس ومصر والمبعوث الأممي "نيكولاي ملادينوف"، لكي يتدخلوا لمنع تنفيذ الهجمات على اعتبار أنّها "تهدد الجهود الهادفة للتوصّل إلى تهدئة طويلة المدى بين المقاومة في القطاع و"إسرائيل"". وزعمت أنّ مسارعة "الجهاد الإسلامي" لنفي الأنباء، عكست شعورًا بالإحراج لديها، جراء الكشف عن المخطط، على حد قول الورقة.

وأشارت الدراسة إلى أنّ "قناة التلفزة الإسرائيلية" "13"، كشفت أنّ الولايات المتحدة نقلت رسائل إلى الحكومة اللبنانية، تحذرها من تبعات نية إيران و"حزب الله"، بناء مصانع لإنتاج صواريخ ذات دقة عالية الإصابة على الأرض اللبنانية، مشيرةً إلى أنّ وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو"، نقل التحذير "الإسرائيلي" لرئيس الحكومة اللبنانية "سعد الحريري".

كما لفتت إلى أنّ من مظاهر "حرب المعلومات"، ما بثته "قناة التلفزة الإسرائيلية" "13"، في فبراير/شباط الماضي، أنّ شركة الأقمار الصناعية "الإسرائيلية" الخاصة "ISI" التقطت صورًا تظهر منشأة في شمال سوريا، يُرجّح أنّها مصنع لإنتاج الصواريخ.

وبحسب الورقة، فإنّ إقدام "رئيس الحكومة الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، خلال جلسة الأمم المتحدة في مارس/آذار 2018، على الكشف عن قيام إيران ببناء مصانع لإنتاج الصواريخ بالقرب من مطار بيروت الدولي، يندرج في إطار "حرب المعلومات"، ضد إيران و"حزب الله".

وأشارت إلى أنّ "نتنياهو" أعلن، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أنّ "حزب الله"، قام بإغلاق هذه المصانع بعد افتضاح أمرها، مشيرةً إلى أنّ "رئيس الوزراء الإسرائيلي" يعتبر أنّ "حرب المعلومات" ضد "حزب الله"، قد "آتت أكلها بشكل كبير".

تحولات الجيش الجزائري ... من قبضة "بوتفليقة" إلى "قايد صالح"

عشية انتخابه رئيسًا للجمهورية عام 1999، قال الرئيس الجزائري وقتها "عبدالعزيز بوتفليقة"، والذي تنحى أخيرًا، إنه لن يقبل أن يكون ربع رئيس. كان هذا الخطاب موجهًا لقيادة الجيش التي كانت تتحكّم من وراء الستار بالمشهد السياسي. ومنذ ذلك الحين، بقيت المؤسسة العسكرية متحفزة تجاه سياسات "بوتفليقة"، لا سيما بعدما استبعدها من المشهد السياسي خلال السنوات الأولى من حكمه، قبل أن تساهم بعد 20 عامًا في دفعه إلى التنحي، مستفيدةً من ضغط الحراك الشعبي الذي تفجّر عقب إعلان "بوتفليقة" نيته الترشح لولاية خامسة، على الرغم من أن الأخير كان يعتقد أنه، بإبعاده لصقور الجيش وقائد الأركان السابق "محمد العماري" في عام 2004، قد ضمن ولاء المؤسسة العسكرية على نحو تام.

وبينما يعدّ دور الجيش حاسمًا في التطورات المتسارعة التي تشهدها الجزائر منذ 22 فبراير/شباط الماضي، تاريخ بدء الحراك، لا سيما بعدما تواترت تصريحات رئيس أركان الجيش "أحمد قايد صالح"، الضاغطة على معسكر "بوتفليقة"، تُطرح تساؤلات عديدة في الشارع اليوم حول دور هذه المؤسسة العسكرية في الفترة المقبلة. ويتركز التساؤل حول ما إذا كان الجيش، بعد التغييرات العميقة التي شهدها في تركيبته البشرية والقيادية، سيواصل تمسكه بدوره كـ"حام للدستور"، من دون أن يؤدي أي أدوار سياسية، مدفوعًا باستخلاصه للتجارب السابقة وإدراكه لضرورة تفادي أي صراعات داخلية بين قياداته وتجنب أي مواجهة مع الشعب لن تقل تكاليفها عن مراحل سابقة في التاريخ السياسي للجزائر، أم أنه سينتقل إلى مرحلة أخرى تعيد البلاد إلى ما قبل عام 1999، عندما كان الجيش هو المتحكّم بالمشهد، قبل أن يقلّص "بوتفليقة" من دوره تدريجيًا وعلى مراحل.

وتتعزّز هذه المخاوف إذا ما تمّ رصد التحولات التي مرّ بها الجيش في السنوات الأخيرة، تحديدًا منذ مرض "بوتفليقة"، إذ تظهر أنّ رئيس الأركان "أحمد قايد صالح" الذي تولّى منصبه في عام 2004، عمل تدريجيًا على إبعاد جميع الشخصيات العسكرية التي من الممكن أن تزاحمه داخل الجيش، ما أتاح له عبر سلسلة تغييرات ممنهجة، تسارعت في الأشهر الأخيرة، ليس فقط إحكام قبضته على المؤسسة العسكرية، بل إعادة الجيش إلى صدارة المشهد السياسي بعد نحو 20 عامًا من بدء "بوتفليقة" تهميش دوره.

المرحلة الأولى التي بدأ فيها "بوتفليقة" بتقليص دور الجيش تعود عمليًا إلى سبتمبر/ أيلول 1999. يومها، طرح "بوتفليقة" مشروع الوئام المدني للاستفتاء الشعبي، والذي كان يستهدف بالأساس الحصول على شرعية شعبية يتخلّص بموجبها من منّة الجيش باستقدامه إلى الرئاسة. عقب ذلك، أطلق "بوتفليقة"، منذ عام 2002، مشروعًا لتحديث الجيش وإعادة تسليحه وهيكلته وتطوير ترسانته وتحويله إلى جيش احترافي. هذا المشروع الذي كان يستهدف بالأساس استبعاد يد الجيش عن صناعة القرار السياسي، وتحرير السلطة السياسية من المؤسسة العسكرية، لم يكن لصالح الفعل الديمقراطي، إذ كان هدفه خدمة السياسات الانفرادية التي تطبع شخصية "بوتفليقة" ونزعته السياسية. وقد دفع الأخير الجيش إلى الانغماس في الشؤون العسكرية والتكوين والجوانب الاحترافية المتصلة بتدبير المؤسسة العسكرية وتسييرها، وإغنائها عن الاهتمام بالشقّ السياسي.

وقد أدت السيطرة التدريجية لـ"بوتفليقة" على مجمل المشهد السياسي، إلى دفع الجيش، الذي خرج من مرحلة إرهاق تام بشري ولوجيستي خلال معركة مكافحة الإرهاب التي امتدت حتى عام 2000، إلى البدء بتغييرات جذرية في تركيبته.

وفي عام 2004، كان "بوتفليقة" قد استكمل استبعاد صقور الجيش من جنرالات مرحلة الأزمة الأمنية، وأبعد قائد الأركان "محمد العماري" والجنرال "محمد تواتي"، وعدد من القيادات الأخرى.

ومع بروز المتغيرات الداخلية، وانسحاب أو إبعاد القيادات العسكرية التي كانت تستند أكثر إلى الشرعية الثورية، باعتبار أنّ كبار جنرالات الجيش كانوا من قدماء جيش التحرير، بات الطريق مفتوحًا أمام صعود لافت لقيادات عسكرية شابة تستمدّ شرعيتها من حالة تكوين عسكري متقدّم.

وبخلاف التركيبة السابقة لقيادات الصفّ الأول للجيش ذات التكوين الروسي أو في أكاديميات أوروبا الشرقية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، برزت قيادات عسكرية متعددة الخلفية العسكرية تكوينًا، واستفادت من مدارس عسكرية في دول لا يؤدي الجيش فيها أي دور سياسي. واستخلصت دروسًا وتجارب مرّة عاشها الجيش، خصوصًا في التسعينيات من القرن الماضي، بفعل تحمله عبء تلك المرحلة أمنيًا وعسكريًا.

وفي هذا الإطار، يقول مدير كلية العلوم السياسية في جامعة ورقلة، جنوبي الجزائر، قوي بوحنية، وهو متخصص في الدراسات ذات العلاقة بين الجيش والشأن السياسي، إنّ "القيادات من جيل ما بعد الثورة وجيل الاستقلال، استفادت من تكوين عسكري مختلف في مؤسسات ذات رؤية واضحة لعلاقة الجيش بالشأن السياسي، كالمدارس الأمريكية والبريطانية والفرنسية. وهذا التكوين جعل من القيادات العسكرية الصاعدة أكثر فهمًا لطبيعة دور الجيش في الدولة". ويضيف "بوحنية" أنه "في الحقيقة هناك أمر مسلّم به في تحرّك الجيش الجزائري، يتمثّل في العقيدة الوطنية. الجيش الجزائري جيش شعبي وليس ملكيًا، لكن هناك تغيّرًا عميقًا في التركيبة البشرية له، في ظلّ جيل جديد من الكفاءات التي تملك شرعية شعبية وتقنية عسكرية".

وعلى الرغم من صعود جيل جديد من القيادات العسكرية الشابة إلى مختلف مستويات القيادة  في الجيش، إلا أنّ قيادة الأركان ظلّت بيد عسكري ينتمي إلى جيل ثورة التحرير، وهو الفريق "أحمد قايد صالح"، والذي بات الرجل القوي في الجزائر بعد إزاحة "بوتفليقة".

ويدير "قايد صالح" في الوقت الحالي الجيش عبر تركيبة من القيادات العسكرية البارزة ميدانيًا، ووجوه جديدة تتولى المسؤولية العسكرية العليا للمرة الأولى، بعدما أفرزتها سلسلة من التغييرات، جرت بين شهري يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول الماضيين، كان الهدف منها إبعاد رئيس الأركان لجميع القيادات العسكرية التي من الممكن أن تزاحمه داخل المؤسسة العسكرية، وتعيين مقربين منه، ما أتاح له إحكام قبضته على الجيش.

وفي تلك الفترة، تمّ تعيين اللواء "سعيد شنقريحة" (سبتمبر 2018)، قائدًا للقوات البرية خلفًا للواء "أحسن طافر". وتعدّ القوات البرية الأبرز في الجيش، وفي الغالب يرتقي قائد القوات البرية إلى منصب قائد أركان الجيش. وقبيل تعيين "شنقريحة"، كان هناك حديث عن محاولة "صالح" تحييد "طافر" لمنع تقدمه إلى منصب قائد أركان الجيش. واللافت أنّ "شنقريحة" الذي نقلت إليه قيادة القوات البرية، يعدّ الوحيد من قيادات الصف الأول للجيش الذي نجا من حملة التغييرات.

أما القوات الجوية، فيديرها اللواء "حميد بومعيزة"، الذي خلف اللواء "عبدالقادر لوناس". ويعد "بومعيزة" من المقربين من رئيس أركان الجيش.

كذلك يبرز العميد "إسماعيلي مصطفى" في قيادة المنطقة الثالثة، واللواء "غريس عبدالحميد" كأمين عام لوزارة الدفاع، بعد استبعاد اللواء "محمد زناخري"، والجنرال مفتاح صواب كقائد للمنطقة العسكرية الثانية بعد استبعاد اللواء "سعيد باي"، واللواء "محمد سيدان" قائدًا للمنطقة العسكرية الأولى التي تشمل العاصمة والمدن القريبة منها، خلفًا للواء "حبيب شنتوف".

وإذا كانت التغييرات التي حملت قيادة عسكرية جديدة إلى صدارة الجيش قد وفّرت خدمة كبيرة لقائد الأركان، فإنّ الأخير استفاد أيضًا من تغيير موازٍ لموازين القوى في جهازي الأمن والاستخبارات، بعد تنحية مدير الجهاز الأخير الفريق "محمد مدين"، في سبتمبر 2015، ومدير جهاز الأمن العام اللواء "عبدالغني هامل" في يونيو/حزيران 2018، قبل أن يطيح "قايد صالح" قبل أيام بمدير جهاز الاستخبارات الفريق "بشير طرطاق".

ويمثّل جهاز الاستخبارات القوة الأمنية الثانية الموازية للجيش، إضافة إلى قوة الحرس الجمهوري التي يقودها الجنرال "بن علي بن علي"، وهو الشخصية العسكرية الأكثر موالاة لـ"بوتفليقة"، خصوصًا أنهما يتحدران من المنطقة نفسها، وهي تلمسان، غربي الجزائر. هذا فضلًا عن كون الحرس الجمهوري هو الجهاز المكلف بحراسة وتأمين المقرات الحيوية التابعة للرئاسة.

لكن أستاذ العلوم السياسية "قوي بوحنية" يقلّل من أهمية وثقل الحرس الجمهوري، ويعتقد أنّ طبيعة العقيدة السياسية للجيش، لن تتيح لأي قوة داخله الخروج عن إجماع الموقف العسكري. ويقول "هناك عقيدة أمنية وسياسية أكثر رسوخًا في الجيش، ولم تحدث في التاريخ أي حالة تمرّد أو انقلابات داخل المؤسسة العسكرية"، موضحًا أنّ "الحرس الجمهوري تعداده قليل، ولن يستطيع مواجهة الإجماع داخل الجيش أو السعي لتغيير موازين القوى". ويشير "بوحنية" إلى أنّ "الحراك الشعبي قدّم أيضًا خدمة كبيرة لـ"قايد صالح"، وصكًّا على بياض، مكّنه من إعلان استعادة جهاز الاستخبارات إلى وصاية وزارة الدفاع، وترميم ما تهشّم من صورة الاستخبارات الجزائرية وإنقاذها من حالة عبث سياسي قامت به الرئاسة بعد فصل هذا السلك عن الجيش، وتقسيمه إلى أذرع".

عالم الجاسوسيّة: تحديات الواقع الإداري والتنظيمي للمخابرات "الإسرائيلية"

كثيرة هي الدراسات "الإسرائيلية" التي سعت للتعرف على الأهداف التي من أجلها أنشئت "الأجهزة الأمنية الإسرائيلية" المتعددة، وطريقة عملها، لا سيما أن عالم المخابرات مكون من بناء تقليدي، لا ترى أنه يتناسب بالفعل مع حجم التحديات الأمنية والاحتياجات الإستراتيجية التي تواجه "إسرائيل".

بل إن بعض الباحثين "الإسرائيليين" امتلك قدرًا كبيرًا من الجرأة، حين قال إن عالم "المخابرات الإسرائيلية" ليس لديه قيادة أو رأس أو مدير يديرها مجتمعة، وتفتقر للمؤسسات العامة، باستثناء لجنة رؤساء الأجهزة، التي تعدّ في بعض الأحيان جسمًا تنسيقيًا بديلًا، لكنها على أرض الواقع تفتقر للصلاحيات، والوصول بهذه الأجهزة لقرار الحسم.

وبالتالي، لا يوجد في "مؤسسة الاستخبارات الإسرائيلية" خطة عمل مشتركة، وليس هناك من تنسيق في مجال بناء القوة بين الأجهزة الأمنية المختلفة، وأكثر من ذلك تفتقر هذه الأجهزة المكونة لعالم الاستخبارات للرؤية العامة التي تحدد بموجبها التحديات الماثلة أمام الدولة.

ففي حين أن جهاز الاستخبارات العسكرية "أمان" تابع إداريًا وتنظيميًا لرئيس هيئة الأركان العامة "للجيش الإسرائيلي"، والموازنة المالية التي يحصل عليها جزء أساسي من موازنته، إلا أن جهازي "الشاباك" و"الموساد" تابعان مباشرة لرئيس الحكومة، وتعدّ موازنتهما جزءًا أساسيًا من موازنة مكتبه، وبالتالي ليس هناك من جسم إداري تنظيمي يحدد طبيعة الموازنات، وآلية صرفها، ومجالات الإنفاق فيها.

علمًا أن هذه الرؤية نشأت خلال العقد الأول من قيام "إسرائيل"، ومنذ تلك اللحظة لم يطرأ عليها تغيير يذكر ذو قيمة حقيقية. وفي الماضي أيضًا، لم تحقق التطورات الجوهرية التي مرت بها "إسرائيل" تغييرات جادة على طبيعة البناء الإداري لهذه الأجهزة الأمنية، إلا أنّ الواقع اليوم مختلف جدًا عما سبقه، والظروف الحرجة التي تمر بها "إسرائيل" تحتم إجراء مثل هذا التغيير في سبيل الوصول إلى وضع أمني أفضل.

هذه الحاجة للتغيير تنبع أساسًا من أمرين هامين:

-         تغير طبيعة التهديدات الأمنية التي تحيط بـ"إسرائيل"، من حيث تعاظم قوة هذه التهديدات من جهة، ومن جهة أخرى تزايد الحاجة للدور الأمني والاستخباري لتولي مهمة معالجتها.

-         المستجدات الميدانية على "البيئة الخارجية" التي تعمل فيها "أجهزة الأمن الإسرائيلية".

ومن ذلك على سبيل المثال: ثورة المعرفة، تكنولوجيا المعلومات، ارتفاع مستوى التطورات العلمية، بحيث غدت مؤثرًا جوهريًا على طبيعة العمليات الاستخبارية والأمنية، وتطور الأمر ليصبح عنصرًا أساسيًا في النظرة لتنفيذ تلك المهام، والعوامل المحيطة بها.

وفي ساحات إقليمية إستراتيجية تعدّ نافذة هامة لعمل الاستخبارات الإسرائيلية تبرز فورا تهديدات حيوية، ما يجعل الأجهزة الأمنية تتعامل معهما بصورة انفرادية، كل على حدة، ويجبر أجهزة المخابرات على عدم التعامل بشكل منسق ومتفق عليه بين مختلف أذرعها العاملة.

إن نظرة سريعة على طبيعة التهديدات التي تواجه "إسرائيل" خلال السنوات العشر الجارية، تحتم النظر للبيئة الإستراتيجية المحيطة بها، بجانب ما حصل في عالم التكنولوجيا من تطورات متلاحقة، وما قد تقدمه من خدمات لأي عمل أمني تقوم به الدولة، وهذا كله بحاجة لما يمكن أن نسميه "ناظمًا" لعمل "المخابرات الإسرائيلية" بمختلف أجهزتها ومكوناتها، لكي تقدم عملًا مجزيًا لصالح الدولة، ذا فوائد عظيمة على المدى البعيد.

هذا الواقع المليء بالتحديات الإستراتيجية والمخاوف الأمنية من شأنه أن يلزم "الاستخبارات الإسرائيلية" بمزيد من التعاون والتنسيق بصورة أكثر عمقًا، لأنه في حالة لم يحصل مثل هذا التنسيق والتعاون، فقد نرى في ضوء تزايد التهديدات ارتفاعًا لمستوى التوتر بين تلك الأجهزة، وخلافات قد تعصف بـ"الرؤية الأمنية" للدولة كلها.

وإذا كانت الخمسون سنة الأولى من عمر "إسرائيل" أكدت أن الجيش هو الجسم الأكثر مركزية وأهمية فيها، لمواجهة التهديدات الأمنية الخطيرة القادمة من الخارج، فإن الأمر اليوم يبدو مختلفًا جدًا، لأن "الموساد" و"الشاباك" ينظران لنفسيهما كما لو كانا يتصديان للجبهة الأمنية التي تتهدد "إسرائيل"، والقيام بموجب هذه النظرة بعدد من المهام، أهمها:

-         إحباط عمليات معادية تنفذها منظمات مسلحة.

-         إيقاف أي تقدم في برامج التسلح غير التقليدي.

وهناك حالة من الرضا عن الجهود الأمنية التي يبذلها الجهازان، رغم حالة التضارب التي قد تقع بينهما عند تنفيذ مهمة ما، مع العلم أن أحد لجان التحقيق "الإسرائيلية" وصلت لقناعة مفادها أنه لا بد من إقامة رابط تنسيقي بين "مؤسسة الاستخبارات الإسرائيلية" بشكل عام، ومكتب رئيس الحكومة، الذي سيكون من مهامه الأساسية تقديم الدعم والإسناد له في اتخاذ القرارات الهامة.

هذه التوصية لا تدعو بنظر واضعيها "الإسرائيليين" لرفع "الوصاية" أو "التبعية" التي يخضع لها "الموساد" و"الشاباك" لرئيس الحكومة مباشرة، أو وقف إشراف رئيس هيئة أركان الجيش على جهاز الاستخبارات العسكرية، لكن المقصود بذلك إقامة أجهزة إدارية ولجان فنية لتطبيق التوجهات التي تخرج بها الأجهزة الأمنية، ومنها:

-         إقامة طواقم متخصصة بالشأن الإقليمي، الذي يشكل قاسمًا مشتركًا لمختلف "الأجهزة الأمنية الإسرائيلية".

-         تشكيل لجان مشتركة للبحث في قضايا فنية متعددة المجالات، مثل لجنة لبحث جمع المعلومات عن طريق المصادر البشرية "يومنت"، ولجنة لفحص المعلومات الأمنية الواردة من مصادر إلكترونية "سيغنت"، وإيجاد جهات محددة للتنسيق بين المصادر البشرية والإلكترونية.

-         تحافظ كل جهة أمنية وجهاز استخباري على "هويته" التي تميزه عن سواه، للخروج بصورة شاملة عن عالم "الاستخبارات الإسرائيلية"، كما لو كانت "مايسترو" ينظم العمل، وبأهداف محددة، وخطط عمل منسقة، بحيث يغدو كل جهاز أمني ذا وحدات ومهام خاصة به.

هنا تجدر الإشارة إلى أن الحاجة "الإسرائيلية" لبناء هذه الجهة التنظيمية، جاءت بناء على تقييم وخلاصة تحققت من خلال النظر عبر عدة اتجاهات مختلفة في سياق العمل "الاستخباري الإسرائيلي"، من خلال عدة نظرات:

-         نظرة للحاضر: لإجراء تشريح للواقع التنظيمي الحالي الذي تعيشه "المؤسسات الأمنية الإسرائيلية".

-         نظرة للماضي: بالقيام بعملية مراجعة تاريخية توضح لماذا وصلت مؤسسة الأمن في "إسرائيل" لما هي عليه اليوم، واستخلاص دروس من الماضي.

-         نظرة للمستقبل: إجراء مسح كامل لمختلف التهديدات الأمنية التي تحيط بـ"إسرائيل"، خلال العقد القادم، وحجم المهام الملقاة على الأجهزة الأمنية.

-         نظرة لما وراء البحار: من خلال إجراء مقارنة سريعة لما هو عليه الحال في أجهزة الأمن الأمريكية والبريطانية.

عالم الجاسوسيّة: واقع الاستخبارات "الإسرائيلية" ... الهيكليات – الأدوار

تكمن أهمية الجاسوسية والاستخبارات بأنها عيون الأجهزة الأمنيّة والقوات المسلحة وأداتها لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن "العدو" المفترض، فقد قال "نابليون بونابرت" إنّ "جاسوس واحد في المكان الصحيح يساوي في وزنه ألف جندي في ساحة المعركة"، وبالتالي فإن الإستخبارات وجمع المعولمات هي "قوة مضاعفة"، وازدات أهميتها أكثر فأكثر منذ أن حصلت الثورات العسكرية في العالم أجمع.

ويمكن الحديث في هذه اللحظة الراهنة عن عالم الاستخبارات على أنه مجموعة من المنظمات الرسمية العاملة في مجال جمع المعلومات، والتحقيق، وتنفيذ المهام السرية، لمصلحة "الأمن القومي". ويأتي في هذا السياق دور الاستخبارات "الإسرائيلية" في حماية ما يسمى "الأمن القومي الإسرائيلي"، فالمخابرات "الإسرائيلية"، مقسمة بين جهاز الاستخبارات العسكرية التابع "للجيش الإسرائيلي" "أمان"، وجهاز الأمن الداخلي "الشاباك"، ومؤسسة الأمن الخارجي والمهام الخاصة "الموساد"، إضافة لدائرة التحقيق التابعة للشرطة، و"مركز الأبحاث السياسية" التابع لوزارة الخارجية، كلها تقوم على خدمة وحماية الكيان الصهيوني وأمنه القومي.

فخلال العقود الأولى لنشأة "إسرائيل"، كانت الخدمات الاستخبارية بعيدة عن دائرة البحث والنقاش، ولكن مع مرور السنوات بدأ يكشف النقاب رويدًا عن هذا العالم الخفي أمام "الجمهور الإسرائيلي".

ويرى مراقبون أنه بات جميع رؤساء الأجهزة الأمنية والاستخبارية اليوم معروفين للعيان، وغدا معظمهم ذا قيمة عليا في وسائل الإعلام، كما أن أجهزة الاستخبارات ذاتها أصبح لها مواقع إلكترونية على شبكة الإنترنت.

والمهام الملقاة على عاتق تلك الأجهزة موضحة في اللوائح القانونية، وباقي الأذرع الأمنية والاستخبارية موضحة الأدوار التي تقوم بها، وفقًا لما جاء في تقارير اللجان الرسمية ذات العلاقة، وتم نشرها على الملأ، كما أن المسؤولين البارزين المتقاعدين حاليًا، ممن شغلوا مواقع بارزة في تلك الأجهزة، يظهرون في وسائل الإعلام، ويقدمون آراءهم ومواقفهم من القضايا المختلفة المثارة بين الحين والآخر.

وبالرغم من توضيح كافة المهام لكل الأجهزة الأمنية والأذرع الاستخبارية "الإسرائيلية"، فليس هناك من تفصيل دقيق لأهداف كل منها، وطبيعة الأداء الذي يجب أن تقوم به في إطار الدور السياسي المناط بها. بمعنى أكثر وضوحًا: ليس هناك من إجابات شافية وكافية عن أسئلة من المشروع طرحها في بعض المراحل والأدوار، مثل:

-         ما هي المهام والوظائف ذات البعد الاستراتيجي التي تكلف بها هذه الأجهزة من قبل المستوى السياسي في "إسرائيل"؟

-         هل أن ما تقوم به تلك الأجهزة من مهام ووظائف مختلفة مستقاة أساسًا من الوعي الاستراتيجي الاستخباري القومي فقط، أم لها مرجعيات أخرى؟

-         ما هو الشكل الناظم للعلاقة بين تلك الأجهزة والأذرع لتخدم مجتمعة مصلحة "الأمن القومي الإسرائيلي"؟

-         هل أن عالم المخابرات "الإسرائيلية" يخدم بصورة مستقلة كجسم استخباري، أم أن كل جهاز يعمل وحده بمنأى عن سواه؟

-         ما هي أبرز الجهات الرقابية والمشرفة على عالم المخابرات "الإسرائيلية"؟

وعلى ضوء ذلك، ستكون النظرة شاملة على هذا العالم الذي يتناول الأجهزة الأمنية والأذرع الاستخبارية "الإسرائيلية" بصفة متكاملة دون إهمال بعض الفروقات الهيكلية التي تُميّز هذا الأجهزة عن سواها.

ليالي الموساد الحمراء

سنوات طويلة من السرية والتعامل غير المباشر من أجهزة الاستخبارات العالمية في تجنيد عملاءه بالدول، والتي كانت تتطلب مجهودا وأموالا طائلة، حيث تحولت هذه الاستراتيجية لأول مرة إلى العلانية المباشرة بعد ظهور السوشال ميديا وانتشار صفحات التواصل، وبث جهاز الموساد موقع جديد تابع له يطلب فيه جواسيس من كافة الدول، وطلب من الراغبين للعمل فيه تسجيل كافة البيانات الشخصية من خلال استمارة موجودة بعدة اللغات أبرزها العربية والفرنسية والروسية من خلال رسالة قال فيها مباشرة " إذا كنت تحلم دوما للخدمة في الموساد.. فهذه هي فرصتك".

وقد قال الكاتب "الإسرائيلي"، يؤاف شاحام، عام 2013 في أحد المواقع العبرية أن "الموساد" يعمل على التجنيد بأسلوب وتكتيك جديد مثير للاهتمام من خلال موقع على الإنترنت يطلب جواسيس شباب للعمل في الجهاز من خلال استمارات باللغات الروسية والفارسية والعربية والإنجليزية، وهو ما يعد خطوة جديدة في أسلوب عمل أجهزة الاستخبارات العالمية والتي كانت تقوم في الماضي على السرية الشديدة وهذا الأسلوب فرضه الواقع الجديد للتطور التكنولوجي وثورة السوشال ميديا.

وفي قراءة سريعة في تاريخ تل أبيب مع الجاسوسية وأشهر السيدات التي نجحت الدولة العبرية في تجنيدهن، فمن المعروف عبر سنوات طويلة أن إسرائيل قامت على أساس عمل الخلايا وفكرة المخابرات من خلال عصابات ومنظمات صغيرة في الدول المجاورة، هذه العصابات كان أساس عملها هو نقل أصحاب الخبرات والمواهب الخاصة وتهريب الأموال إلى تل أبيب، وخاصة مصر والمغرب والأراضي الفلسطينية نفسها، وفور قيام الكيان الصهيوني تحول العمل من خلال العصابات المنتشرة في الدول ومركز قيادتها بريطانيا إلى 3 أجهزة رئيسية في تل أبيب هي الموساد الذى يهتم بتجنيد العملاء في الخارج و"الشاباك" جهاز الأمن الداخلي و جهاز المخابرات العسكرية، وهذا ما فسره خبراء العلوم العسكرية بأن فكرة التجسس ناشئة في وجدان قادة تل أبيب على مر العصور وفى جميع الدول حتى الولايات المتحدة الأمريكية أكبر الداعمين للكيان الصهيوني حول العالم.

ويقول الدكتور "منصور عبدالوهاب" أستاذ اللغة العبرية بجامعة عين شمس، في إحدى دراساته، أساليب التجسس اختلفت مع تقدم الميديا المذهل والتقدم التكنولوجي الذى حدثت فيه طفرة في العقدين الأخيرين، هذا ما يفسر السبب الرئيسي في تحول عمل الموساد من السرية إلى طلب جواسيس من خلال إعلانات صريحة مدفوعة الأجر إذ بات التجنيد عبر السوشال ميديا أسرع من الأساليب التقليدية وأقل تكلفة بكثير من الأنماط القديمة، ولكن السبب الأهم هو أن المعلومة نفسها أصبحت مختلفة وبعد أن كان اهتمام أجهزة الاستخبارات بمعرفة أماكن مخازن السلاح ومنصات الصواريخ والمطارات العسكرية هو أساس عملها، باتت الأحوال الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والسياسية هي المعلومات الأهم لجهاز الموساد وخاصة مع دول الجوار، وهذا يحتاج قاعدة كبيرة من العملاء في أعمار سنية صغيرة من العملاء تستطيع أن تنتشر وسط العامة وتتبادل المعلومات من صفحات الفي سبوك وتويتر وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي.

والمتابع لتاريخ "إسرائيل" الطويل في العمل الاستخباراتي يدرك أن الدولة القائمة على التجسس، تعتمد منذ نشأتها على الفتيات والسيدات في الحصول على المعلومات بطرق مختلفة أبرزها ما يأتي عبر غرف النوم، فمن ينسى "هبة سليم" الجاسوسة الاستثنائية كما وصفتها جولدا مائير والتي طلبت منها المخابرات المصرية الإيقاع بمهندس الصاعقة فاروق عبد الحميد وتحولت قصة حياتها للفيلم السينمائي الشهير "الصعود إلى الهاوية"، أو الجاسوسة العربية الأشهر أمينة داوود التي غيرت ديانتها وتزوجت من ضابط إسرائيلي ونجحت في نقل تحركات أعضاء منظمة التحرير الفلسطيني إلى تل أبيب، وأضف إلى ذلك انشراح موسى التي تم تجنيدها عبر صور فاضحة وعملت هي وزوجها مع الموساد بإسم "موسى ودينا عمر" وتحولت قصة حياتهما لعمل درامي تحت إسم "السقوط في بئر سبع"، والفنانة راقية إبراهيم التي لعبت دورا كبيرا في تهريب أموال اليهود من مصر وإقناعهم بالهجرة إلى تل أبيب.

تاريخ غسيل المخ: أساليب الصينيين تلهم "جوانتنامو"

في تقريرٍ نُشر بـ"نيويورك تايمز"، في يوليو عام 2008، بعنوان "الصين ألهمت استجوابات جوانتنامو"، تمت الإشارة إلى أن المحققين، والضباط العاملين في سجون "جوانتانامو" يمارسون أساليب التعذيب والاستجواب نفسها، التي استخدمتها الصين من قبل مع الأسرى الأمريكيين في الحرب الكورية.

كشف التقرير أن الرسوم البيانية التي استخدمها المحققون في جوانتنامو قد تم نسخها حرفيًا من دراسة سلاح الجو عام 1957 عن الأساليب الصينية الشيوعية التي تم استخدامها خلال الحرب الكورية للحصول على اعترافات، والتي كان من ضمنها: «الحرمان من النوم، والتقييد لفتراتٍ طويلة»، لكن ما لا يعرفه هؤلاء هو أن أغلب تلك الأساليب زائفة، اخترعها السجناء الأمريكيون أنفسهم بعد عودتهم من الحرب، لتبرير اعترافاتهم، بحسب التقرير.

كان الأمر بمثابة الصدمة؛ إذ استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية، الأساليب نفسها التي وصفتها من قبل الشيوعيين الصينيين بالتعذيب، وكانت مقالة عام 1957 والتي تم نسخ الرسم البياني منها بعنوان "محاولات الشيوعية لاستخلاص اعترافات زائفة من أسرى الحرب في سلاح الجو"، وكتبها "ألبرت دي بيدرمان"، وهو عالم اجتماع كان يعمل في القوات الجوية، وأجرى مقابلات مع السجناء الأمريكيين العائدين من كوريا الشمالية، وقد تم تصوير بعضهم من قبل المحققين الصينيين، بعد أن اعترفوا بالحرب الجرثومية، التي استخدمها الأمريكان، بحسبهم حينذاك، في كوريا الشمالية.

أدت هذه الادعاءات، والتي أنكرتها الولايات المتحدة وقتها، إلى الادعاء بأن الأسرى قد تم غسل مخهم؛ مما استفز الجيش لتجديد تدريباته، وإعطاء بعض الأفراد العسكريين دورات تدريبية في الثبات النفسي٬ وعدم الاستسلام السريع؛ إذا ما تم القبض عليهم.

في التقرير أشار السيناتور "كارل ليفين"، ديمقراطي ورئيس لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ، أن كل أمريكي سيصاب بالصدمة، بسبب أصل وثيقة التدريب، مُضيفًا: "المذهل حقًا هو أن تلك الأساليب كانت سببًا في الحصول على اعترافاتٍ كاذبة٬ يعتقد الناس أننا بحاجة إلى استخبارات، وهو أمر صحيح، لكننا لسنا بحاجة إلى استخبارات مزيفة".

في الحقيقة كانت مقالة السيد بيدرمان عام 1957، تصف شكلًا واحدًا من أشكال التعذيب، وهو إجبار السجناء الأمريكيين على الوقوف لفتراتٍ طويلة للغاية، في بعض الأحيان كان يتم ذلك والبرد قارس للغاية، بحسب المقال، وكانت تلك الطرق الصريحة للعنف الجسدي تحديدًا، هي ما اعتمدتها الاستخبارات الأمريكية ضد الإرهابيين والمشتبه بهم؛ أدرج المخطط أيضًا تقنيات أخرى من أشكال التعذيب البدني، منها التجويع، واستغلال الجرحى، وجعل الأسير محاطًا دائمًا بالقذارة، وهو الأمر الذي أضعف القوى البدنية والعقلية للسجناء، ودمر مقاومتهم، ليصلوا في النهاية من اعتمادهم على محققيهم إلى مستوى الحيوانات الأليفة، بحسب نيويورك تايمز.

وفي معسكرات جوانتانامو، في الفترة من ديسمبر (كانون الأول) من عام 2002، حتى يناير (كانون الثاني) من عام 2003، تم دراسة ما أطلق عليه حينذاك «مخطط بيدرمان للإكراه»، من قبل المحققين الأمريكان، وذلك للبدء في العمل به، والذي تم وصف تقنياته، بأنها الوسائل التي تستخدمها الطوائف للتحكم في أعضائها.

كان أحد أقسى الاستجوابات المعروفة في جوانتانامو، هو استجواب محمد القحطاني، عضو تنظيم القاعدة، ومشتبه به في هجمات 11 سبتمبر (أيلول)؛ إذ تضمن استجواب القحطاني كلًا من الحرمان من النوم، والتعرض للبرد القارس، وغيرها من تقنيات ما نقل عن الصينيين في التعذيب وغسل المخ. ألقيت التهم الإرهابية على كاهل القحطاني الواحدة تلو الأخرى، ودافع الرئيس الأمريكي حينذاك جورج بوش عن أساليب الاستجواب، مبررًا إياها بأنها ساعدت الإدارة الأمريكية في تجنب هجمات إرهابية مقبلة، كما أتاحت لهم الوصول إلى الكثير من المعلومات حول التنظيم.

أما "عبدالرحيم النشيري" وهو عضو "القاعدة"، والمتهم الرئيسي في تفجير المدمرة الأمريكية كول في اليمن عام 2000، فقد تعرض هو الآخر للتعذيب في معسكرات جوانتانامو؛ كان أحدها الإيهام بالغرق، وهو الأمر الذي قال عنه النشيري في ما بعد أنه اعترف كذبًا القيام بالتفجير، من أجل أن يتجنب التعذيب.

يقول عن ذلك "روبرت ليفتون"، وهو طبيب نفسي، درس أسرى الحرب العائدين من كوريا الشمالية، أنه أصيب بخيبة أمل، إثر علمه بأن أساليب التعذيب الشيوعية قد تم إعادة تدويرها وتدريسها في جوانتانامو، وهو ما وصفه بأنه منعطف 180 درجة من قبل القيادة الأمريكية.

تاريخ "غسيل المخ": إستراتيجية "هتلر" في السيطرة على العقول

على الرغم من أن مصطلح "غسيل المخ"، قد بدأ ظهوره في خمسينيات القرن الماضي، إلا أن هناك الكثير من علماء النفس، قد أشاروا في أبحاثهم إلى أن "هتلر" قد استخدم تقنيات "غسيل المخ"، للتحكم في عقول الشعب الألماني أثناء الحرب العالمية الثانية، وذلك للحصول على مباركتهم في المحارق والمجازر التي اقترفها في تلك الحرب الدموية.

ابتدع "هتلر" عدة طرق لضمان بقاء الحزب النازي مسيطرًا على البلاد، بدايةً من الإجراءات التي اتخذها مع السياسيين والمعارضة، وصولًا إلى المدنيين، وذلك بهدف السيطرة على كل ركن من أركان الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد؛ فقام الحزب النازي بالسيطرة المطلقة على الحكومة المدنية والمحلية؛ وذلك من خلال إعادة هيكلة الحكومة المحلية، وحظر الأحزاب السياسية المعارضة، مبررًا ذلك بأن ألمانيا بلد غير آمن، والمعارضة تشكل خطرًا على الدولة، كما قام هتلر بالحد من نفوذ الكنيسة؛ وذلك خوفًا من نفوذها وسيطرتها على الناس، فأرسل الكهنة الكاثوليك غير النازيين إلى معسكرات الاعتقال، كما أنشأ كنيسة ولاية الرايخ، أما بالنسبة إلى الحياة الثقافية والاجتماعية، فقد خضعت هي الأخرى للسيطرة النازية، فكان يتم تلقين الأفراد بما يجب ولا يجب أن يفعلوه حتى في اجتماعاتهم الخاصة، كما منع الفنانيين من الأعمال الفنية التي لا تصور القيم النازية، وحظر موسيقى الجاز، وأحرق الكتب التي كتبها اليهود علنًا.

أما بالنسبة للتعليم والعمال، قام هتلر بعزل المعلمين غير النازيين، وأمر بتغيير المناهج الدراسية لتشمل الأفكار السياسية والعرقية النازية، وكان يتم إعداد الشباب إجباريًا للحرب، أما الفتيات فكان يتم تلقينهن وإعدادهن ليكن ربات بيوت محافظات على القيم النازية.

استخدم هتلر في كل ذلك أداة لم تخذله، وهي «وزارة الإعلام»؛ إذ كانت ألمانيا خلال ولاية الرايخ الثالث محتكرة من قبل الدعاية والإعلام، فتم استخدامهم أداةً تُملي على الشعب كل جوانب الحياة تقريبًا، كما كان لها دور فعال في تعزيز معاداة السامية، وعلى الرغم من أن كثيرًا من الدول خلال الحرب العالمية الأولى قد استخدموا الأداة نفسها من أجل تشجيع المواطنين غير الراغبين في المشاركة في الحرب، وذلك بوصفها «الحرب العظيمة المجيدة»، من خلال بوابات الإعلام، كما استخدمتها الصين حينذاك لنشر سياسات الرئيس الشيوعي ماو تسي تونغ، إلا أن الحزب النازي يعد هو الوحيد الذي استطاع أن يحول تقريبًا شعبًا بأكمله إلى النازية، كما حملهم على كراهية مجموعة كاملة من الناس، وهم اليهود.

كانت الدعاية والإعلام هما وسيلة النازية في غسيل المخ؛ إذ عمد جوزيف جوبلز، وزير الإعلام حينذاك٬ إلى شن حرب نفسية على الشعب الألماني، كان جوبلز يدرك أن أقصر الطرق للوصول إلى العقول هي خلق نوع جديد من «لغة الجماهير»، ومن أجل ذلك تميزت خطاباته بأسلوبٍ بسيط، ورسائل واضحة، يمكن للجماهير استقبالها بسهولة، ولتصل تلك الرسائل إلى القلوب والعقول، يجب أن يتفق عليها الجميع، وهو الأمر الذي عمل عليه جاهدًا.كانت الرسائل الإعلامية تتسم في الأساس بإخبار الناس ما يودون سماعه، واستحضار الأكاذيب، لخلق واقع جديد كليًا، يعزل الشعب الألماني عن العالم، وبتكرار هذه الرسائل، تصبح تلك هي الحقيقة الجديدة؛ إذ تُمحى من الذاكرة كل ما علق بها من أحداثٍ وتاريخٍ أصيل، مقابل آخر مزيف.

تاريخ غسيل المخ: الحرب الكورية 1950

استُخدِم مصطلح غسيل المخ أول مرة في خمسينات القرن الماضي، أثناء الحرب الكورية، وهي حرب دارت رحاها ما بين عامي 1950 و1953، إذ اندفع أكثر من 75 ألفًا من جنود كوريا الشمالية نحو الحدود غازين كوريا الجنوبية، فكان هذا هو أول عملٍ عسكري في الحرب الباردة، ونتج منه تدخل أمريكا في الحرب إلى جانب كوريا الجنوبية، وذلك في يوليو (تموز) من عام 1950؛ خوفًا من أن تكون تلك الحرب هي الخطوة الأولى لهيمنة الشيوعيين على العالم، إذ اعتقدوا أن تلك الحرب هي حرب مع القوى الشيوعية العالمية، نظرًا إلى مساندة الاتحاد السوفيتي للجبهة الشمالية منها، فخرج الرئيس الأمريكي حينذاك «هاري ترومان» ليقول خطابه الشهير: «إذا خذلنا كوريا، سيواصل الاتحاد السوفيتي تقدمه، مُبتلعًا البلد تلو الآخر».

انتهت الحرب الكورية بتوقيع هدنة بين الأطراف المتحاربة، بعد عامين فقط من الحرب، إلا أنها رغمًا عن ذلك كانت حربًا فادحة الخسائر؛ إذ راح ضحيتها أكثر من 5 ملايين إنسان، كان أكثرهم من المدنيين، أما عن الخسائر الأمريكية في تلك الحرب؛ فقد تعدت 40 ألف جنديًا عسكريًا، وأكثر من 100 ألف جريح.

لم تتوقف الخسائر الأمريكية في الحرب على الخسائر البشرية فقط، ففي أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1950، وعندما عبرت القوات الصينية نهر يالو لتنخرط في الحرب إلى جانب كوريا الشمالية، لاحظ المسؤولون الأمريكيون انشقاق عدد ليس بقليل من الجنود الأمريكيين٬ واتجاههم إلى الشيوعية.

كان الأمر أشبه بفكرة مبهمة، عن طريقة غامضة استخدمها الصينيون في الحرب منذ انضمامهم، وذلك من أجل تحويل ولاء الجنود الأمريكين إليهم، وكان ذلك عن طريق إحداث تغيرات سلوكية عميقة ودائمة على أسرى الحرب. عاش المجتمع الأمريكي حينذاك في رعبٍ وقلق؛ إذ انتشر الذعر من أن الشيوعيين الصينيين قد تمكنوا من اختراق عقول الأسرى والسيطرة عليهم، وأطلق على تلك التقنية لأول مرة «غسيل المخ».

كان مفهوم غسل المخ، من بنات أفكار الصحافي الأمريكي إدوارد هانتر، والذي غطى صعود الفاشية في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1950، عندما كانت الحرب الكورية ما زالت في طور البداية، نشرت صحيفة ميامي نيوز مقالًا له بعنوان: «قوة غسل الدماغ الصينية في صفوف الحزب الشيوعي»، مُشيرًا إلى أن الحُمر لديهم خبراء متخصصون في لوحات غسل الأدمغة، مستخدمين الأدوية والتنويم المغناطيسي، وهدفهم النهائي، بحسبه، هو قهر أمريكا، قائلًا إن الولايات المتحدة الأمريكية هي ساحة المعركة الرئيسية؛ محذرًا من أن غسل الأدمغة سيجعل من الأمريكيين رعايا حفنة صغيرة من الطغاة في العالم.

وصف هانتر في كتابه «غسل الأدمغة في الصين الحمراء»، تلك الاستراتيجية الجديدة التي اقتحمت العالم بحسبه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفي بدايات الحرب الباردة، بقوله: «غسل الأدمغة هو شر العالم الجديد، إنهم يحررون العالم عن طريق تدمير العقول».

كانت اعترافات بعض الأسرى الأمريكان القسرية خلال تلك الحرب سببًا رئيسيًا في جعل غسيل المخ جزءًا لا يتجزأ من ثقافة الخمسينيات، وفي مايو (آيار) من عام 1956، نشرت وزارة الدفاع الأمريكية بحثًا يشرح التقنيات الخاصة التي استخدمها الشيوعيون في التحقيقات، من أجل استغلال أسرى الحرب.

يشير البحث إلى أن الشيوعيين الصينيين أدركوا أهمية هذا الاستجواب، وهو ما جعلهم يخصصون له كتيبة كاملة من أجل جمع المعلومات الاستخباراتية، وتصميم عقوبات لهؤلاء الذين لم يتعاونوا معهم، وكان معسكر الاستجواب لديه مجموعة من الموظفين المهرة، الذين كانوا على دراية تامة باللغة الإنجليزية، وعلى علمٍ جيد بأساليب الحياة المختلفة في الولايات المتحدة.

لم تكن السجون الشيوعية في كوريا الشمالية مُصممة من أجل رفاهية السجناء، ولا من أجل تعذيبهم؛ بل كانت مصممة لهدفٍ وحيد، وهو تسهيل التلقين أثناء الاستجواب؛ فتم تجميع الأسرى في مخيمات، ومن تلك المخيمات تم تقسيمهم إلى وحدات، وتلك الوحدات غالبًا ما تكون موجودة بالقرب من مقر القيادة العسكرية، وهناك تم تجهيز غرف الاستجواب بأجهزة التسجيل، وأجهزة كاشفة للكذب، هذا إلى جانب مرايا ثنائية الاتجاه.

لم تكن أسوار المعتقلات محاطة بالأسلاك الشائكة، وكان السجناء يتجولون بحرية في أرجاء المعسكر٬ كما تم تقديم كميات وفيرة من الطعام والشراب للأسرى، ولم ترد أنباء عن استخدام أي من وسائل التعذيب الشهيرة حينذاك مثل الصدمات الكهربائية، وخلع الأظافر، لكن استخدم الشيوعيون عددًا من الحيل والتقنيات، بحسب البحث، كانت أكثر فاعلية من التعذيب٬ كل منها يختلف بحسب الشخص الذي يقومون باستجوابه.

كان الهدف الرئيسي هو هزيمة الفرد نفسيًا، وعزله اجتماعيًا عن بيئته، بتحويل الأسرى إلى مجموعة من الوشاة، غير قادرين على التواصل مع بعضهم البعض، وكان لاستخلاص المعلومات منهم كثير من الطرق٬ أكثرها استخدامًا هو الخداع، وذلك عن طريق طلب قائمة من السجين بالوحدة العسكرية التي كان يعمل لديها قبل وقوعه في الأسر، فإن حدث وأعطى السجين معلومات خاطئة، كان المحقق يستطيع أن يتحقق من القائمة عن طريق دليل الجيش الميداني للولايات المتحدة، ومواجهته بها، يحذره من أية معلومات خاطئة أو تزييف في المستقبل، كما لعب المحققون على عنصر الخوف؛ إذ كان الأسرى الأمريكان خائفين مما قد يتعرضون له أثناء وجودهم في الأسر، وتعزيز هذا الخوف داخلهم، مكن الصينيين من استخلاص ما يحتاجون إليه من معلومات، فهزم حينها السجناء أنفسهم.

كان التحرش الجنسي والمضايقات هي التقنية الثانية الأكثر فاعلية، هذا إلى جانب التكرار، والذي تم اعتباره أحد الطرق الاستفزازية٬ والتي كانت تعتمد على تكرار الأسئلة على مسامع السجين بشكلٍ مستمر، حتى يصل إلى قمة استفزازه، والتودد عن طريق دعوة السجين خارج حدود معسكرات الاعتقال، وفتح أحاديث ودية، وهو الأمر الذي نتج منه تكوين الأسرى علاقات صداقة مع سجانيهم عوضًا عن زملائهم في الأسر.

كانت التقنية الثانية عقب التدمير النفسي للفرد، هي إعادة هيكلة سلوكه، وهو ما أطلق عليه الصينيون لفظ «إعادة التثقيف»، وهو ما نتج منه كما وضح إدوارد هانتر في كتابه «غسيل الدماغ»،والذي سرد فيه تفاصيل الحرب الكورية، أنه حتى وبعد عودة الأسرى إلى ديارهم، لم يستطيعوا الانخراط في المجتمع كسابق عهدهم؛ إذ فرضوا سجنًا على أنفسهم بلا قضبان، عاشوا فيه منعزلين، وبعضهم ظل يعاني من شعور عميق بالذنب، حتى وافته المنية.

قصص العملاء: محمود رافع

السيرة الذاتية لـ"محمود رافع"؟

العميل رافع، رقيبٌ أوّل في قوى الأمن الداخلي من مواليد العام 1949، بدأ مشواره مع العمالة في العام ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعين مع الاستخبارات الإسرائيلية، بعدما جنّده ضابط "الموساد" "أيوب" على معبر كفرتبنيت للعمل لمصلحته عن طريق تزويده بما يتوافر لديه من معلومات عن مواقع حزب الله ونشاطاته ضمن نطاق عمله في مدينة النبطية وجوارها، وذلك مقابل تحسين وضعه المادي، ثمّ توالت اللقاءات بينهما بمعدّل مرّةٍ كلّ أسبوع كان خلالها رافع يزوّد "أيوب" بكلّ مشاهداته ومعلوماته.‏

في العام خمسة وتسعين، تم نقل رافع وصديقِه حسين خطّاب الذي جنّدَهُ لمصلحة العدو، بناءً لطلب ضبّاط "الموساد"، إلى مرفأ حيفا ومنه إلى مدينة صفد حيث تم تدريبُهُما على راديو وجهاز استخدماه في نقل المعلومات، ومنذُ ذلكَ الحين ارتبط رافع بضباط العدو مباشرة.

خلال العام سبعة وتسعين، التقى رافع بالضابطين "شوقي" و"ناتان" في فندق "هاغوم شريم" حيث حدّدا له عمله المقبل، بنقل أشخاص بحوزتهم حقائب تحتوي على المتفجّرات والمال من داخل كيان العدو إلى أماكن مختلفة من المناطق اللبنانية المحرّرة وخصوصاً في منطقة جبل لبنان بعد تحديدها له من قبلهما، على أن يقوم قبل ذلك باستكشاف طرقها وتحديد المعالم البارزة فيها، بالإضافة إلى نقله شخصياً لمثل هذه الحقائب وتخزينها في الأرض ووضع إشارةٍ معيّنة فوقها لاستلامها لاحقاً من عملاء مجهولين منه.‏

عمِل رافع على إيواءِ الأشخاص الناقلينَ للحقائب في شاليهات كان استأجرها بناء على طلب مشغليه في الشطر الشرقي من العاصمة بيروت، مستخدماً إخراج قيد مزوراً أعطاه إياه الإسرائيليون باسم يوسف زيدان يحمل رسمه الشخصي.

وبين العامين سبعةٍ وتسعين وألفين وخمسة، قام رافع بنقل عددٍ من الأشخاص عُرِفَ منهم إبراهيم محمّد ياسين مواليد العام 1966والملقّب بـ"هافي" يقيم في فلسطين قبل التحرير في العام 2000، والسوري ميشال، وفؤاد ولقبه "الدعبول" من منطقة حاصبيا، وجورج من منطقة جزين، وآخرون كان يتمّ نقلهم أحياناً من الشريط الحدودي، وأحياناً من بلدة عمّيق في البقاع الغربي وكان يجهل رافع كيفية وصولهم إلى هذه البلدة، ومن بلدة الجيّة الشوفيّة قرب مطعم "الأوراس" وشاطئ شركة كهرباء الجية وبحوزتهم حقائبُ تحتوي على المتفجرات والمال، وذلك إلى عدد من المناطق.‏

 

وبعد نحو سنة على الاندحار الصهيوني عن جنوب لبنان، سافر رافع إلى إيطاليا ومنها إلى "إسرائيل" حيث أُخضِعَ لدورة تدريب على جهاز إرسال لاسلكي هو عبارة عن تلفزيون وطاولة بداخلها مخبأ سرّي يحتوي على آلة طابعة مزوّدة بشاشة لقراءة الرسائل الواردة إليه.

أبرز اعترافات العميل رافع:

القيام مع آخرين بأعمال إرهابية تمثلت بوضع عبوة ناسفة وإحداث تخريب على جسر الناعمة بتاريخ الثاني والعشرين من آب العام تسعة وتسعين، وزرعِ متفجّرات من نوع "C4" على جسر الزهراني في نهاية العام ألفين وأربعة اكتُشِفَت قبل أن تنفجر، وقتلِ المسؤولين في المقاومة غدراً، أبو حسن سلامة في محلة عبرا في صيدا في العام ثمانية وتسعين، وعلي صالح في الضاحية الجنوبية في العام ألفين وخمسة، وجهاد أحمد جبريل في بيروت في العام ألفين واثنين، والأخوين مجذوب في صيدا في العام ألفين وستة.‏

الوحدة "سييرت متكال الإسرائيلية": جمع المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ الاغتيالات

يعكس اهتمام وسائل الإعلام "الإسرائيلية" بالإعلان عن تعيين قائد جديد لوحدة "سييرت متكال" أو "سرية الأركان"، إحدى أهم الوحدات العسكرية الخاصة على الإطلاق، طابع الأدوار بالغة الخطورة والتأثير التي تقوم بها هذه الوحدة ضمن الجهد الحربي والاستخباري "الإسرائيلي". وتعد "سييرت متكال" إحدى الوحدات التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" "أمان"، وتخضع مباشرة لتعليمات قائد الشعبة.

وعلى الرغم من أن الوحدة اشتهرت بشكل خاص بتنفيذ عدد من عمليات الاغتيال التي أثرت في مسار الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي"، إلا أن انتسابها لشعبة الاستخبارات العسكرية مؤشر على أن طابع مهامها الرئيس متمثل في تنفيذ عمليات خارج الحدود بهدف جمع معلومات استخبارية عن الدول والأطراف المتحاربة مع "إسرائيل"، إلى جانب تنفيذ عمليات ميدانية تحسن من قدرة "الجيش الإسرائيلي" على جمع هذه المعلومات.

ففي الكتاب الذي نُشر أخيرًا ووثّق فيه لسيرته الذاتية، كشف رئيس الوزراء، وزير الحرب، رئيس هيئة أركان الجيش الأسبق "إيهود باراك"، النقاب عن أنه عندما كان ضابطًا وقائدًا للوحدة نفذ عددًا من العمليات الاستخبارية التي تركت تأثيرًا استراتيجيًا على مسار المواجهة مع مصر تحديدًا. وروى "باراك" أنه "في أعقاب حرب 1973 تمكنت الوحدة من اختراق شبكة الاتصالات التي يستخدمها الجيش المصري بشكل مكّن "إسرائيل" من التعرف على طابع التعليمات التي تصدر عن المستويات القيادية المصرية، إلى جانب اختراق شبكة الهواتف المدنية المصرية".

وفي كتابه "سيد الاستخبارات"، والذي تناول السيرة الذاتية لـ"أهارون ياريف"، الذي تولى قيادة شعبة استخبارات الجيش "أمان" عشية حرب 1967، أشار قائد لواء الأبحاث الأسبق في "أمان" الجنرال "عاموس جلبوع"، إلى أنه "بناء على تعليمات "ياريف"، قامت "سييرت متكال" بالتسلل إلى مؤسسات حساسة في مصر وزرع أجهزة تنصت ورصد، مكنت "إسرائيل" من الاطلاع على النوايا المصرية، وهو ما ساهم، ضمن أمور أخرى، في تحسين قدرة "إسرائيل" على الحصول على تغطية استخبارية عن الواقع السياسي والأمني في مصر".

إلى جانب ذلك، فإن الكثير من العمليات ذات الطابع الاستراتيجي التي نفذتها "إسرائيل" استندت إلى معلومات جمعتها "سييرت متكال". فعلى سبيل المثال، ذكرت وسائل إعلام "إسرائيلية" وغربية أن "عناصر من "سييرت متكال" نُقلوا جوًا إلى منطقة ديرالزور السورية، في صيف 2007، وتمكنوا من جمع قرائن في محيط المنشأة البحثية العسكرية السورية في تلك المنطقة دلت على أن "نشاطها ذو طابع نووي"، وعلى أساس هذه المعلومات، أمر رئيس الوزراء الأسبق "إيهود أولمرت" بقصف المنشأة في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه.

إلى جانب ذلك، فإن الوحدة تولّت مهام التسلل إلى لبنان لزرع أجهزة التنصت والرصد على قمم الجبال في محيط القرى التي تشهد أنشطة لـ"حزب الله"، والتي تمكن الحزب والقوى الأمنية اللبنانية من كشف وتفكيك بعضها.

وعلى الرغم من أن غطاء من السرية يحيط أنشطة هذه الوحدة، إلا أن رئيس هيئة أركان "الجيش الإسرائيلي" السابق "بني غانتز"، قال قبل 4 أعوام في حفل منح فيه الوحدة "وسامًا" بسبب طابع العمليات التي تنفذها، إن "هذه الوحدة تنفذ مئات العمليات سنويًا خارج الحدود".

وإلى جانب جمع المعلومات الاستخبارية، فإن الوحدة التي يخضع المنتسبون إليها لتدريبات وأنشطة تأهيل بالغة القسوة، مسؤولة عن تنفيذ عمليات اغتيال خارج الحدود. فعلى سبيل المثال، نفّذت الوحدة جميع عمليات الاغتيال التي طاولت قادة وكوادر منظمة التحرير في بيروت في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وقاد هذه العمليات "باراك" بنفسه. كما قاد وزير الحرب السابق "موشيه يعلون" عندما كان على رأس الوحدة عملية اغتيال "خليل الوزير"، الرجل الثاني في حركة "فتح"، في منزله في تونس عام 1988.

إلى جانب ذلك، أدت الوحدة الدور الرئيسي في العمليات الهادفة إلى إفشال عمليات الاختطاف التي تعرضت لها الطائرات "الإسرائيلية"، وعلى رأسها "عملية عنتيبي" في أوغندا عام 1976، والتي استهدفت تحرير ركاب طائرة "إسرائيلية" اختطفها عناصر من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وقد قتل في هذه العملية "يوني نتنياهو"، شقيق رئيس الحكومة الحالي "بنيامين نتنياهو"، والذي كان الرجل الثاني في الوحدة.

ونفذت الوحدة عددًا من عمليات الاختطاف، وعلى رأسها اختطاف القيادي في "حزب الله"، عبدالكريم عبيد"، عام 1989، والقيادي السابق في "حركة أمل"، مصطفى ديراني، عام 1994، واللذين أطلق سراحهما في عملية تبادل أسرى عام 2004.

وفي كثير من الأحيان يتم استقطاب ضباط هذه الوحدة للعمل في أجهزة استخبارية مهمة. فوزير الأمن الداخلي الأسبق ورئيس لجنة الخارجية والأمن الحالي الليكودي "آفي ديختر"، خدم في الوحدة قبل انتقاله لجهاز الاستخبارات الداخلية "الشاباك"، الذي أصبح في ما بعد رئيسًا له.

العمليات التي تقوم بها الوحدة لا تعني أنها لم تتعرض للفشل والإخفاق بتاريخها، وعلى رأسها مخطط اغتيال الرئيس العراقي الراحل "صدام حسين"، الذي أمر بإعداده رئيس الحكومة الأسبق "إسحاق شامير"، ردًا على قيام العراق بإطلاق صواريخ باتجاه العمق "الإسرائيلي" خلال حرب 1991.

ففي التدريبات التي أجرتها الوحدة في قاعدة "تسئيليم" في صحراء النقب عام 1991، قتل خمسة من ضباط الوحدة أثناء انطلاق قذيفة بطريق الخطأ، ما أفضى إلى صدور قرار بإلغاء المخطط. وقد فشلت الوحدة عام 1995 في تحرير الجندي "نحشون فاكسمان"، الذي اختطفته وحدة تابعة لـ"كتائب القسام"، الجناح العسكري لحركة حماس، واحتجز في بلدة بيت نبالا بالقرب من القدس المحتلة، حيث قتل "فاكسمان" وقائد سرية من الوحدة في العملية الفاشلة.

وعلى الرغم من أن الوحدة لا تزال تضطلع بأدوار رئيسة في الجهد الحربي والعملياتي والاستخباري "الإسرائيلي"، إلا أن توظيف السايبر في جمع المعلومات الاستخبارية وتدشين وحدات متخصصة تتبع وحدة التنصت الإلكتروني المعروفة بـ"وحدة 8200" أفضى إلى حدوث تراجع في دور "سييرت متكال" في مجال جمع المعلومات الاستخبارية. إلى جانب أن بعض الوحدات الخاصة باتت تنافس "سييرت متكال" في تنفيذ عملياتها خارج الحدود، ولا سيما الوحدة الخاصة لسلاح البحرية، المعروفة بـ"الوحدة 13".

وعلى الرغم من التراجع في دورها، إلا أن الخدمة في صفوف هذه الوحدة تحسن من قدرة خريجيها على التنافس على مواطن التأثير السياسي. فعدد من قادتها وعناصرها تبوأوا مواقع سياسية مهمة. فإلى جانب "باراك" و"يعلون" و"ديختر"، فإن رئيس الوزراء الحالي "بنيامين نتنياهو" خدم كضابط في هذه الوحدة، علاوة على أن وزير التعليم "نفتالي بينيت" عادة ما يتباهى بخدمته في صفوفها، كما تولى وزير المواصلات الأسبق "أمنون لبكين شاحاك" قيادة الوحدة.

الوحدة 108... الذراع الإلكتروني لسلاح "الجو الإسرائيلي"

سلّطت مجلة الدفاع "الإسرائيلي" "ISRAEL DEFENSE"، الأضواء على "الوحدة 108" السرية، التي تُعد الذراع الإلكتروني لسلاح "الجو الإسرائيلي"، المسؤولة عن تحسين قدرة الطائرات الحربية على أداء مهامها وتطوير إمكاناتها العملياتية من خلال ضمان مواصلة صيانة المنظومات الإلكترونية في هذه الطائرات وتطوير منظومات حسب متطلبات الجهد الحربي.

ووصفت المجلة المتخصصة في الشؤون الأمنية الوحدة بأنها تمثّل "نقطة الارتكاز" الرئيسة لسلاح "الجو الإسرائيلي"، التي تسهم في منح الطيران "الحربي الإسرائيلي" تفوقًا نوعيًا واضحًا. وأشارت المجلة إلى أن الوحدة لا تقدّم خدماتها للطائرات الحربية التي يتم استيرادها من الخارج فقط، بل تُعنى أيضًا بتقديم خدمات للطائرات من دون طيار ومنظومات الدفاع الجوي التي تنتجها الصناعات "الجوية الإسرائيلية".

وحسب المجلة، فإنه يتم تحديد مهام الوحدة بناء على تعليمات سلاح الجو ووحدة الشيفرة في الجيش، مشيرةً إلى أن معظم عمل الوحدة ينصبّ على صيانة الجوانب الإلكترونية في الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي. إحدى أهم المهام التي تضطلع بها الوحدة، تتمثّل في التعرف على آليات عمل المنظومات المحوسبة في الطائرات الحربية التي يتم استيرادها، وذلك لمعرفة كيفية صيانتها، لتقليص ارتباط سلاح "الجو الإسرائيلي" بالشركات التي تنتج هذه الطائرات. واستدركت المجلة أن الوحدة باتت أخيرًا قادرة على تطوير برمجيات وتقنيات لتحسين قدرات الطائرات على العمل، مشيرةً إلى أن "إسرائيل" تقوم ببيع بعض هذه البرمجيات لدول أجنبية، مما يعني أن عمل الوحدة يسهم في تحسين عوائد الدولة المالية.

وشرحت المجلة أن "الوحدة 108" تنقسم إلى خمس وحدات متخصصة، تُعنى كل واحدة منها بمجال، مشيرةً إلى أن فكرة تدشين الوحدة قامت على أساس أن الجهد الحربي، وتحديدًا الجوي، بات يتأثر بشكل كبير بالفضاء الإلكتروني والشبكة العنكبوتية، مما يستدعي ملاءمة المنظومات المحوسبة في الطائرات للقيود التي يفرضها هذا الفضاء وتمكينها من مواجهة المخاطر الناجمة عن الشبكة.

وأشارت المجلة إلى أن عمل "الوحدة 108" ذو جدوى اقتصادية كبيرة، على اعتبار أن اضطلاع هذه الوحدة بدور الصيانة الإلكترونية يقلّص من النفقات المالية التي تتكبّدها "إسرائيل" لقاء قيام الشركات الأجنبية التي تزوّدها بالطائرات بصيانة هذه الطائرات، مشيرةً إلى أن كلفة الصيانة الإلكترونية تكون أحيانًا أكبر من قيمة الطائرات نفسها. وضمن مهام الوحدة، القيام بفحص المنظومات الإلكترونية للطائرات الحربية التي يتم استيرادها ومعرفة مدى قدرتها على مواجهة التحديات الميدانية التي يمكن أن تعترض هذه الطائرات لدى أداء مهامها.

وتعمل "الوحدة 108" بالتعاون بشكل وثيق مع وحدة البرمجيات في سلاح الجو، التي يُطلق عليها "وحدة أوفيك"، والمسؤولة عن تطوير منظومات تشغيل خاصة بالطائرات. وأشارت المجلة إلى أنه نظرًا لأن تطوير البرمجيات يتوقف بشكل أساسي على مدى مناسبة هذه البرمجيات لمنظومات الطائرة المختلفة، فإن "108" تتولّى مهمة اختبار هذه البرمجيات بعد تطويرها. كما أن "الوحدة 108" تتولّى اختبار دور البرمجيات الجديدة في تحسين قدرة الطائرات على ضرب أهداف محددة، على أن تقوم الوحدات التابعة لها بتحديد أهداف وتفحص بعد ذلك مدى قدرة الطائرات على إصابتها بعد التزوّد بالمنظومات المختلفة.

وتتولّى الوحدة مهمة فحص أسباب الحوادث والأعطال الفنية التي تواجهها الطائرات أثناء أداء مهامها وخلال عمليات التدريب، لا سيما في كل ما يتعلق بدور المنظومات الإلكترونية في التسبّب بهذه الحوادث، إلى جانب أنها تفحص الأسباب التي تحول دون عمل منظومات التسليح والذخيرة في الطائرة عند تشغيلها. إلى جانب ذلك، فإن المجلة أشارت إلى أن "الوحدة 108" تتعاون مع شعبة الحوسبة في الجيش والصناعات العسكرية، مشيرةً إلى أنها تسعى للحصول على قدرات تمكّنها من تطوير كل التقنيات والبرمجيات اللازمة لعملها.

العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي

مقدمة:

 "العقيدة العسكرية مصطلح عسكري عام لوصف الأداء الذي ستقوم به قوات الجيش خلال المعارك والحروب. وتعتبر إطار نظري قياسي موحد وموجه داخل المؤسسة العسكرية أكثر من كونها مجرد قوانين ونظريات جامدة، وتهدف العقيدة العسكرية بشكل عام، لتعزيز التفكير الإبداعي والابتكاري داخل المؤسسة العسكرية لإيجاد حلول غير نمطية في مواجهة المواقف القتالية المتعددة".

أولا: عقيدة الجيش الإسرائيلي القتالية:

الجيش الإسرائيلي اعتمد منذ تأسيسه عام 1948، على عقيدة قتالية مبنية على أساس حرب العصابات، والسيطرة على المناطق التي تتم فيها عمليات القتال بسرعة، معتمدا على تكتيك الهجوم المفاجئ والكمائن، وقطع الطرق وخطوط الإمداد اللوجستية، بالإضافة إلى السرعة والمباغتة.

وتركزت العقيدة العسكرية الإسرائيلية، منذ فترة "بن غوريون" على الدفاع وضرب العدو في قلب أرضه، كخطوة استباقية لتفادي هجومه أو ردعه من خلال المفاجأة والترويع.

واعتمدت العقيدة القتالية الإسرائيلية منذ العقد الأول لقيام "الدولة"، على النظرية الهجومية، بسبب الإحساس بالضعف أمام جيرانها، وعدم الإحساس بالأمان، ومهاجمة مصادر التهديد قبل تطوره، وإتباع نهج الحرب الوقائية، وهو ما جعل القيادة العسكرية الإسرائيلية تعمل على تطوير سلاحها الجوي والحصول على أفضل التقنيات العسكرية، والعمل على نقل المعركة القصيرة إلى أرض العدو.

ثانيا: مبادئ العقيدة العسكرية الإسرائيلية

تعتمد العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي على المبادئ التالية:

- جيش صغير نوعي وقوي.

- الحرب الخاطفة السريعة.

- كثافة القوة النارية للقوة الجوية.

-تقليل الخسائر في العنصر البشري.

- الاعتماد على الأسلحة المتطورة

- الاعتماد على عنصر المفاجأة

-نقل المعركة إلى أرض العدو

- تدمير قوات العدو المسلحة.

- احتلال مناطق والبقاء فيها لتحقيق مكاسب سياسية.

- هجوم استباقي أو حرب وقائية.

- حسم نتيجة الحرب سريعاً.

- ـتأمين العمق الإسرائيلي، وتكوين مناطق عازلة.

- تعزيز قوة الردع والتفوق النوعي.

ثالثا: تطوير العقيدة العسكرية الإسرائيلية

العقيدة الإسرائيلية القديمة، التي تلاءمت إلى حد كبير مع الحروب البرية الكلاسيكية، ضد جيوش نظامية، كانت تعتمد على تحقيق المفاجأة للعدو من خلال اختيار زمان ومكان المعركة وسرعة تحريك القوات وقد استمرت تلك المبادئ قائمة حتى حرب أكتوبر 1973.

وبعد حرب أكتوبر عملت القيادة العسكرية الإسرائيلية على تطوير عقيدتها القتالية من خلال الاعتماد على القوة النارية الجوية، أو ما يطلق عليه "سياسة الأرض المحروقة"، بمعنى تجنب الاشتباك البري مع العدو.

الحرب الغير متكافئة والعقيدة العسكرية الإسرائيلية:

شكلت حرب لبنان الأولى منعطفا حادا بالنسبة للعقيدة العسكرية الإسرائيلية، "فإسرائيل" لم تواجه في العام 1982 قوات نظامية، ولم يعد الجيش الإسرائيلي قادرا على تطبيق مبادئ نظريته القتالية، لأنه يواجه منظمات قتالية شبه عسكرية، هذه المنظمات لم يكن لديها ما تخسره، ولا يمكن التأثير عليها عسكريا (الحسم) لذلك بدأت "إسرائيل" بإحداث تغييرات في العقيدة العسكرية.

التطوير في استراتيجيات القتال، أمام المنظمات الفلسطينية واللبنانية، دفع "إسرائيل" لاعتماد حرب العصابات، والقتال المحدود، في مناطق ذات مساحات صغيرة، من خلال الاعتماد على القوات الخاصة، وسياسة الاغتيالات، والتأثير على العدو من خلال الآخرين – مثل السكان، أو الحكومات أو المنظمات الدولية- وذلك لإجباره على طلب الهدنة، وفرض الشروط عليه.

حماس وحزب الله والحرب الغير متكافئة:

تجربة الجيش الإسرائيلي القتالية، مع منظمات شبه عسكرية، تعتمد على تكتيك حرب العصابات، كحماس وحزب الله، تسبب في إحراج الجيش الإسرائيلي، وتسبب كذلك في فشل نظريته القتالية، فأمام منظمات لا تمتلك دولة ولا حدود، ولا ذخر استراتيجي، كان من الصعب الانتصار، أو حتى الحسم العسكري، وبناءً على هذه الإخفاقات العسكرية، طورت "إسرائيل" مصطلح عقيدة الضاحية.

رابعا: عقيدة الضاحية

تعتمد هذه النظرية على الضربة العسكرية الجوية الخاطفة والمفاجئة، التي تحدث ضررا كبيرا في صفوف العدو، وارباك قواته على الأرض، ويختصر أحد الضباط الإسرائيليين مفهوم عقيدة الضاحية بالكلمات التالية:  "إلحاق ضربة قوية بالعدو، وتدمير بيوت وبنى تحتية للتسبب بمعاناة مئات الآلاف من الأشخاص، هي الأمور الوحيدة التي يمكن أن يكون لها التأثير الأكبر على العدو"

وبحسب المحلل في صحيفة يديعوت احرونوت، رون بن يشاي: "بعد فشل الجيش الإسرائيلي في توفير ردع قوي لوقت طويل في مواجهة حماس والمنظمات المسلحة في غزة، اعتمد الجيش الإسرائيلي استخدام عقيدة الضاحية ضد حماس والسكان المدنيين في قطاع غزة"

أخيرا: القتال بالنيابة- المرتزقة

بعد فشل عقيدة الضاحية أمام حماس بغزة، خلال الأعوام 2008، و2012، وعدم حسم المعركة ضد حماس عسكريا، طورت القيادة العسكرية الإسرائيلية مبدأ جديد تم اضافته إلى عقيدتها العسكرية.

وهذا المبدأ على يعتمد على الحرب بالوكالة، بمعنى قيام الجيش الإسرائيلي باستئجار مرتزقة من الموالين "لإسرائيل"، وزجهم نحو الخطوط الأولى في المعركة، ( كما حدث في الحرب الأخيرة على غزة).

ويمكن للمرتزقة أن يشكلوا جزءً كبير من وحدات المشاة، وتوفير الحياة البشرية، من خلال عدم الاشتباك البري المباشر مع العدو، والأهم هو عدم تمكين العدو من تسجيل انتصارات عليه، من خلال التكتم على خبر مقتلهم. مصادر صحفية إسرائيلية وأخرى طبية من "نجمة داوود الحمراء" أفادت لمراسل موقع عكا للشؤون الإسرائيلية، بأن عشرات من الجنود المرتزقة والذين كانوا في الصفوف الأولى إبان حرب غزة 2014 قتلوا على أيدي الفصائل الفلسطينية خلال المواجهة البرية، ولم يتم الإعلان عن مقتلهم نظرا لعدم وجود عائلات لهم داخل "إسرائيل" تتابع أخبارهم وأوضاعهم.

باختصار يمكن القول، أن التطورات التي طرأت على النظرية القتالية للجيش الإسرائيلي، لم تكن جوهرية، وموسعة، ومازال الجيش الإسرائيلي يعتمد على معظم المبادئ القديمة في نظريته القتالية، تحديدا: الاعتماد على عنصر المفاجئة، والحرب القصيرة الخاطفة، وتدمير قوات العدو المسلحة، ونقل المعركة إلى أرض العدو، و الاعتماد على الأسلحة المتطورة، وتوفير الحياة البشرية، من خلال تجنب المواجه البرية، وكثافة النيران، مع السعي لاغتيال شخصيات بارزة، لحسم المعركة بسرعة وتسجيل الانتصارات الوهمية على العدو، بالإضافة إلى عقيدة الضاحية، والاعتماد على المرتزقة.

الكاتب: نائل عبد الهادي

هكذا تتم عمليّة تجنيد الجواسيس عبر "لينكد إن"

 الثلاثاء 9 تموز 2019 - 11:51 ص

يُعدّ "لينكد إن" من أقدم مواقع التواصل الاجتماعي التي تُستخدم اليوم، إذ أُنشئ عام 2002، لكنّه ليس من الأكثر استخدامًا، بالرغم من أنّه استقطب حتى منتصف عام 2017 أكثر من 500 مليون مستخدم نشط. لكن، بين… تتمة »

هكذا تجند "إسرائيل" جواسيسها في غزة

 الإثنين 1 تموز 2019 - 1:23 م

في إطار محاولاتها المتواصلة لجمع معلومات عن أنشطة المقاومة، لا تتوقف "أجهزة المخابرات الإسرائيليّة" عن ابتكار طرق مختلفة واستغلال الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة، لإسقاطه… تتمة »

صراع أدمغة استخبارية بين حماس و"إسرائيل" لتجنيد العملاء

 الخميس 23 أيار 2019 - 2:39 م

تدور في أروقة الحرب غير المباشرة بين "إسرائيل"، والمقاومة الفلسطينيّة صراع أدمغة استخباري، إذ تستخدم "المخابرات الإسرائيلية" وسائل محدثة ومطوّرة بين حين وآخر لاختراق المجتمع الفلسطيني، منها أساليب ذ… تتمة »

هكذا توظف "إسرائيل" "حرب المعلومات" لتحقيق أهدافها

 الجمعة 19 نيسان 2019 - 10:01 ص

أوضحت ورقة بحثية "إسرائيلية"، أنّ "الجيش الإسرائيلي" يوظّف بشكل مكثف "حرب المعلومات" ضد "الأعداء"، بهدف تقليص الحاجة لاستخدام القوة العسكرية "الخشنة".
وذكرت الورقة الصادرة عن "مركز بيغن- السا… تتمة »

تحولات الجيش الجزائري ... من قبضة "بوتفليقة" إلى "قايد صالح"

 الإثنين 8 نيسان 2019 - 10:07 ص

عشية انتخابه رئيسًا للجمهورية عام 1999، قال الرئيس الجزائري وقتها "عبدالعزيز بوتفليقة"، والذي تنحى أخيرًا، إنه لن يقبل أن يكون ربع رئيس. كان هذا الخطاب موجهًا لقيادة الجيش التي كانت تتحكّم من وراء ا… تتمة »